كلمة عميد الكلية

الأستاذ الدكتور /

السيد عبدالحميد فودة

 

ستظل كلية الحقوق محراب الحق والعدل، والبوتقة التى تدفع لمصر بشوامخ أبنائها الذين تفخر بهم وتفاخر، من علماء مخلصين وقضاة ورجالات يصححون المسار ويدققون الأداء وهم منتشرون فى كافة الأجهزة والمؤسسات وستظل كلية الحقوق الحصن المعنى بإعلاء كلمة القانون وإنزال حكم القضاء المهتم بفكرة المشروعية وتعميق مفهوم الحق والعدل. وسيظل رجال القانون لا يعرفون للحقيقة وجهين ولا يعرفون للعدالة صنفين ولا يعرفون للمشروعية مسارين وأن مناط العدالة لديهم جميعاً إعمال ميزان الحق فيما بين الناس جميعاً وهذا وكلية الحقوق اتبعت منهجاً ليس ابتداعاً ولكنه إتباعا فى الاحتفاء كل عام باتحاد الطلاب وتكريم أوائل الطلاب، وعليهم أن يكونوا نبراسا ومصباحا مضيئا للآخرين وفى ذلك فليتنافس المنافسون. أود أن أتقدم بالشكر لزملائنا المخلصين على كل ما قدموه من جهد وإيمانهم بالله وإخلاصهم فى عملهم، وفق الله الجميع أساتذة أجلاء لا يبخلون على جميع أبنائهم بعلمهم وتوجيهاتهم وخبراتهم. وتحية إجلال وتقدير للسادة المستشارين

الخميس, 15 آذار/مارس 2018 02:00

كلمة السيد العميد بالمؤتمر العلمي الثاني عشر لكلية الحقوق جامعة بنها

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)


الدكتور السيد فوده عميد كلية الحقوق        

كلمة السيد أ.د / السيد عبد الحميد فودة عميد الكلية

يأتي إنعقاد المؤتمر العلمي الثاني عشر لكلية الحقوق بعنون المواطنة والقانون ، في ظل إهتمام الدولة ومؤسساتها بتفعيل قيم المواطنة ، خاصة وأنها مفهوم معقد وقابل للجدل ، حيث ينظر البعض للمواطنة علي أنها حالة قانونية أو أنها هوية أساسية ، وتعني المواطنة كمكانة قانونية الإرتباط الرسمي بأمة أو دولة معينة مع ما يصاحب هذا الإرتباط من التمتع بحقوق وواجبات وفرص وحماية ومسئوليات ، ولذلك تعد المواطنة الشعور بالإنتماء والولاء للوطن التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية للذات من الأخطار المصيرية ، كما أنها علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها القانون وما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة في الدولة متضمنة قدراً من الخبرة مع ما يصاحبها من مسئوليات ، وهذا مفاده أن المواطنة كهوية أساسية يقصد بها الإحساس بالإنتماء لدولة معينة أو جماعة معينة وهذا الإنتماء يطوره الأفراد وهم مدركين الدور الذى تلعبه المعايير والقيم التي تشكل ثقافتهم في تقوية ذلك الإنتماء .

إن المواطنة ليست مصطلحاً حديثاً وإنما له مفهوم تاريخى قديم ومعقد ، وله أبعاد عديدة ومتنوعة ، منها ما هو مادى قانونى ، ومنها ما هو ثقافى سلوكى ، ومنها ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغها تدريجياً ، ولذلك يتأثر مفهوم المواطنة بالنضج السياسى والرقى الحضارى والتطور الإجتماعى وبعقائد المجتمعات وبقيم الحضارات والمتغيرات العالمية الكبرى ، وإذا كانت المواطنة مفهوم حديث ظهر
فى أواخر القرن العشرين مدلوله مساواة المواطنين في الدولة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن إنتمائهم الأيدلوجى أو الطائفى أو العقائدى أو الجغرافى ، إلا أن السبق العلمى والتاريخى لتطبيقها كان على يد فقهاء المسلمين ، حيث تم الاعتراف للمواطنين من غير المسلمين بمركز قانونى منظم يقوم على أحكام تفصيليةودعا إلى إحترام عقائدهم وعاداتهم وحقوقهم بصفتهم مواطنين يعيشون فى كنف الدولة الإسلامية حيث أن للفرد علاقة بالدولة التي يعيش في كنفها ، وقد أسست الشريعة الإسلامئية هذه العلاقة على مبادئ الحرية والعدالة والتضامن ،
وبذلك أرست الشريعة الإسلامية كافة أسس المواطنة وهى المساواة فى الحقوق والواجبات والحرية الدينية لغير المسلمين والمشاركة فى الحكم .

وإنطلق منظروا الفكر الديمقراطى الليبرالى فى تحديدهم لمفهوم المواطنة من نظرية العقد الإجتماعى ، فالمواطن وفق تلك النظرية هو عضو فى جماعة بشرية ، توافقت بإختيارها على التنازل عن بعض أو كل حقوقها الطبيعية ، لفرد أو مجموعة أفراد من بينهم ، يمثلون السلطة السياسية ، فى مقابل حمايتهم والدفاع عنهم ، والسلطة السياسية تمثل إرادة المجموع ، والعقد هنا يمثل تبريراً أخلاقياً لوجود الدولة .

وجاء الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ، الذى إعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10 ديسمبر 1948 ، ليعترف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة بإعتبارها أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم ، وقد نصت مواد هذا الإعلان على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساويين فى الكرامة والحقوق ، وأن يتعاملوا مع بعضهم بروح الإخاء ، ولكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات دونما تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأى أو الأصل الوطنى والإجتماعى أو الثروة أو المولد ، ولا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسى أو القانونى أو الدولى للبلد أو الإقليم الذى ينتمى إليه الشخص سواء أكان مستقلاً أو موضوعاً تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتى أم خاضعاً لأى قيد آخر على سيادته ، ولكل فرد الحق فى الحياة والحرية والأمان ولا يجوز إسترقاق أحد أو إستبعاده وحظر الرق والإتجار بالرقيق ، والناس جميعاً سواء أما القانون وهم يتساوون فى حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز ، ولكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التى يمنحها إياه الدستور أو القانون ، وحرية التنقل والتمتع بجنسية دولته ، وحق التملك ، وحرية الفكر والوجدان والدين ، والحق فى الضمان الإجتماعى والعمل ، ومستوى معيشه يكفى لضمان الصحة والرفاهة والحق فى التعليم .

وجاء الدستور المصرى الصادر فى 18 يناير 2014م ، لينص فى المادة الأولى منه على أن " جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة وهى موحدة لا تقبل التجزئة ولا ينزل عن شئ منها ونظامها جمهورى ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون " ، كما نص في مادته الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية وإختيار قياداتهم الروحية ، كما نص الدستور فى مواده على أن الشعب يصون وحدته الوطنية ، التى تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين كافة المواطنين وإحترام حقوق الإنسان وحرياته ، والحق فى الحصول على الجنسية لمن يولد لأب مصرى أو لأم مصرية ، وأن تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز ، كما تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ، وفقاً لأحكام الدستور ، وتعمل الدولة على إتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً فى المجالس النيابية ، وكفالة حقها فى تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا فى الدولة ، والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية دون تمييز ضدها، وحمايتها ضد كل أشكال العنف ، وكفالة الدولة للحق فى العمل وحماية حقوق العمال ، وأن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة دون محاباة أو وساطة ، وإلتزام الدولة بتكريم شهداء الوطن ورعاية مصابى الثورة ، والمحاربين القدماء والمصابين وأسر المفقودين فى الحرب وما فى حكمها ، ومصابى العمليات الأمنية وأزواجهم وأولادهم ووالديهم ، وتعمل على توفير فرص العمل لهم ، وكفالة الدولة للحق فى التعليم وخدمات التأمين الإجتماعى والصحة والرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة ، وقد أكد الدستور على الحقوق والحريات والواجبات العامة، حيث أبان أن الكرامة حق لكل إنسان ولا يجوز المساس بها ، وتلتزم الدولة بإحترامها وحمايتها ، والمواطنون لدى القانون سواء ، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرف أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الإجتماعى أو الإنتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر ، وأن التمييز الحضن على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون ، وتلتزم الدولة بإتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز ، وأن الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس ، وللحياة الخاصة حرمة وهى مصونة لا تمس أيضاً ، والحياة الآمنة حق لكل إنسان ، وحرية التنقل والإقامة والهجرة مكفولة ، وحظر التهجير القسرى ، وحرية الإعتقاد مطلقة ، وحرية الفكر والرأى مكفولة .

ولذلك ترتكز المواطنة على مجموعة من القيم الأصيلة تتمثل فى الإنتماء والمساواة والعدل والتعددية والحرية والإلتزام والإستقلالية والمشاركة المجتمعية ، وهذه القيم تمثل القاسم المشترك الأعظم بين مختلف المجتمعات وأغلب الثقافات ، وهى تمثل الجانب العالمى فى مفهوم المواطنة ، إلا أن تلك القيم تواجه العديد من التحديات التى تفرضها التحولات العالمية المعاصرة ، متمثلة فى العولمة الثقافية التى خلقت حالة من الفوضى والإرباك فى بنية المجتمعات المعاصرة ، مما أدى
إلى حدوث تصدع كثير من الثقافات المحلية ، وقد نالت المواطنة بعد العولمة نصيبها من التصدع ، نظراً لأن الدولة لم تعد تمتلك السيادة الكاملة على أراضيها ، لم تعد حرة تماماً فى إتخاذ قراراتها فى الشان الداخلى ، وبخاصة على المستوى الإقتصادى والحقوقى للمواطنين ، وهذا ينعكس بالتأكيد على مكانة ودور الأفراد أنفسهم داخل الدولة ، ولقد أدت العولمة الثقافية إلي الكثير من الأزمات والتوترات فى الدول العربية ، والتى جاءت كمحصلة نهائية لتغييب مفهوم المواطنة لصالح ولاءات خاصة ، زادت من الإحتقان السياسى ، وأدت إلى هشاشة الإستقرار الإجتماعى
فى بعض الدول ، وحدوث العديد من المشكلات التى تحرص الأنظمة السياسية حالياً على مواجهتها ، من خلال دراسة تفعيل آفاق تفعيل مبدأ المواطنة ، نظراً لأن العولمة الثقافية قد ساهمت فى تعميق الغزو الثقافى للفرد فى المجتمعات العربية ، مما أثر بشدة على المواطنة بما تحويه من مفاهيم الولاء والإنتماء .

وتتعدد المخاطر التى تفرضها العولمة الثقافية على مبدأ المواطنة ، ولذلك بات ضرورياً تفعيل دور الجامعة فى تعزيز قيم المواطنة ، من خلال مساهمة الجامعات المصرية فى التأسيس لمجتمع المواطنة ،
وذلك بإطلاق مشروع مجتمعى عن المواطنة ، يشترك فى تقديمة نخبة من أعضاء هيئة التدريس والفاعلين الإجتماعيين فى المجتمع ، بإنتهاج أساليب تمكن من إعلاء مبدأ المواطنة ، و تضمين برامج التعليم ما قبل الجامعى مقرراً عن المواطنة وقيمتها وأهميتها فى استقرار المجتمع ، وغرس أهمية الإبتعاد عن أسباب الفرقة بين الطلاب لتعزيز قدراتهم على تقبل الآخر والإيمان بالتعددية .

وكذلك يجب تفعيل دور الأسرة فى تعميق قيم المواطنة والإنتماء لدى أبنائها ، وتنشئتهم على حب الوطن والإنتماء إليه ، وغرس القيم الأخلاقية والسلوكية فيهم .

وأخيراً يجب تفعيل دور الجمعيات الأهلية فى تدعيم ثقافة حقوق وواجبات المواطنة ، والحق
فى المساواة وعدم التمييز على أساس الجنس والسن واللون والدين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قراءة 191 مرات آخر تعديل على السبت, 17 آذار/مارس 2018 11:19